إنهم يسرقون "الثمار"!!

الاثنين 19 أكتوبر, 2026

بقلم: د خالد محسن.                           مأساة "الزيتون" الفلسطيني.. بين جذور الأرض وأطماع الغزاة

بحروف خالدة كتبت بمداد دماء الشهداء تحكي شجرة "الزيتون" رمزية النضال وسردية الصمود عبر كل الأجيال إلي أن يأتي وعد الله بالنصر والتمكين..
وكما هي في الفلسفة الإنسانية والوجدانية ستظل رمزاً يختزل معاني السكينة والتجذر والخلود؛ فهي ليست مجرد كائن نباتي ينمو ويتأثر بفصول السنة، بل هي الشجرة المباركة التي لا تموت، تضرب جذورها العميقة في صخر التاريخ لتروي حكاية انتمائها الأزلي لهذه الأرض، وكأنها شريان مادي وروحي يربط السماء بالتراب. إن "الزيتونة" في فلسطين ليست نبتة تُزرع لتُحصد فحسب، بل هي "وثيقة ملكية" شجرية، وشاهد عيان عصيٌّ على التزوير على هوية الأرض وأصحابها الشرعيين عبر القرون. 
وحين ينهمر الخريف وتكتسي الجبال ببرودة الهواء الأولى، لا يكون موسم جني الزيتون مجرد حدث زراعي واقتصادي عابر، بل هو طقس إنساني مقدس، تجتمع فيه الأسر بمختلف أجيالها لتمارس حقها الفطري في الفرح والحياة، ولتجدد عهدها الأبدي مع تراب الآباء والأجداد.
غير أن هذا الفرح الفطري البسيط، الممزوج بأهازيج الأمهات وعرق الآباء، سرعان ما يصطدم بواقع استيطاني غاشم تتجاوز أدواته حدود النهب المادي المباشر لتطال الرمزية الإنسانية والوجودية للشعب الفلسطيني؛ حيث تحوّل موسم الحصاد في السنوات الأخيرة إلى موسم محفوف بالخوف والدموع والدماء.

نعم.."إنهم يسرقون الثمار!" ..ليست مجرد صرخة حسرة أطلقها مزارع مكلوم أُفقد ثمرة جهده وعرقه طوال عام كامل، بل هي التعبير الأدق لمأساة شعب يُسرق تاريخه، وتُستهدف مقومات صموده على أرضه أمام مرأى ومسمع من عالم يتفرج بلا حراك.

قرصنة الحصاد: 
لم تعد السرقات "الممنهجة"، تحت حماية القوة حوادث الاعتداء على مزارعي الزيتون مجرد سلوكيات فردية أو نزعات عدوانية عابرة لقطعان المستوطنين، بل أضحت استراتيجية احتلالية منظمة تُمارس تحت عين القوة العسكرية وحمايتها المباشرة. وبكل تبجح وبوجه مكشوف يقتحم المستوطنون الحقول في وضح النهار، مدججين بالسلاح ومصحوبين بفرق الترهيب، ليقطعوا الطرق على القرويين والعائلات الآمنة، ويستولوا بقوة السلاح على أكياس المحصول التي سهر الفلاح طوال العام ينتظر بركتها ليُؤمّن بها قوت عياله ورسوم تعليم أبنائه.
إنها عملية سلب معلنة ومكتملة الأركان، لا تكتفي بقطع الطرق بل تمتد إلى مصادرة المعدات الزراعية، وقطع ثمار الزيتون قبل أوان نضجها، ونقل المحصول المسروق جهاراً نهاراً. 
تجسد هذه القرصنة الميدانية نموذجاً صارخاً للغطرسة التي تستخدم القوة العسكرية للبطش بالمدنيين الأعزل، وتحويل موسم "الفرح" القومي والديني الإنساني إلى "مأتم" إنساني ممتد يُخيم على القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية.

 الحرق وقلع الجذور:  
لا تقف حرب الإبادة الخضراء ضد الرمز والمصدر، لكن السلوك العدواني للمستوطنين يتجاوز سرقة الثمار وتجريد الأشجار من غلتها، ويمتد في كثير من الأحيان إلى ممارسة سلوك انتقامي أكثر بشاعة، وهو اقتلاع الأشجار المباركة من جذورها أو إحراقها بالمواد الحارقة ومسح الحقول الخضراء من الوجود.
 إن هذه الممارسات الفاشية لا يمكن فهمها إلا من خلال عقدة النقص التاريخية النابعة من الإدراك الضمني والعميق لدى الغاصب بأن هذه الأشجار الضاربة في أعماق الأرض تشهد على زيف روايته وتفند ادعاءاته.
إن قطع شجرة زيتون معمرة تُقدر أعمارها بمئات السنين ـ والتي سبق وجودها وجود الكيان الغاصب ذاته ـ هو محاولة بائسة وعاجزة لمحو الذاكرة الجغرافية للمكان واغتيال التاريخ الفلسطيني المكتوب بأوراق الشجر. 
إنها "حرب إبادة خضراء" تُشن بلا رحمة ضد الطبيعة والإنسان معاً؛ لأنهم يدركون أن الشجرة في المخيل الفلسطيني هي الشقيق والملاذ، وإسقاطها هو محاولة لكسر الروح المعنوية للفلاح المرابط على أرضه،وللمقاوم الذي يحلم بالحرية.

 الأبعاد الاقتصادية والإنسانية: تجويع الفلاح وكسر إرادة الصمود:
يمثل محصول الزيتون الركيزة الأساسية الهيكلية للاقتصاد الريفي الفلسطيني، حيث يُعد شريان الحياة الوحيد لعشرات الآلاف من العائلات التي تعتمد على بيع الزيت والزيتون كعنصر رئيسي لتلبية متطلبات المعيشة، وتوفير العلاج، ودفع الأقساط الجامعية. ومن هنا، فإن الاستيلاء على المحصول أو حظر وصول المزارعين إلى أراضيهم الواقعة خلف جدار الفصل العنصري أو القريبة من البؤر الاستيطانية المحاذية، ليس مجرد مضايقة أمنية، بل هو ممارسة حقيقية لحرب تجويع وإفقار مع  سبق الإصرار والترصد!.
وقدتحولت هذه الاعتداءات إلى أداة لضغط اقتصادي خانق يهدف إلى إفلاس الفلاح الفلسطيني، وجعله غير قادر على تحمل تكاليف خدمة أرضه، مما يضطره تحت وطأة الحاجة والحصار إلى هجر الأراضي الزراعية. وبمجرد تفريغ هذه الأراضي من أصحابها الأصليين، تسارع سلطات الاحتلال إلى إعلانها "أملاك دولة" أو "مناطق عسكرية مغلقة"، لتسهيل التوسع الاستيطاني وتغيير المعالم الديموجرافية والجغرافية للضفة الغربية المحتلة.

التسييس القضائي وتواطؤ منظومة الاحتلال:
ولا تكتمل صورة هذه المأساة إلا بالإشارة إلى التواطؤ العضوي بين جماعات المستوطنين والمنظومة القضائية والأمنية للاحتلال ، فعندما يتقدم الفلاح الفلسطيني بشكوى رسمية موثقة بالصور والفيديوهات حول سرقة محصوله أو حرق أراضيه، غالباً ما تُحفظ القضايا ضد "مجهول"، أو يُحظر على المزارع دخول أرضه بحجة "دواعي حفظ النظام"!
إن هذا التواطؤ يوفر غطاءً قانونياً وأمنياً للمعتدين، ويشجعهم على ارتكاب المزيد من الجرائم بحصانة كاملة من العقاب. 
وقد أضحت هذه السياسة جزءاً من هندسة القمع اليومي التي تهدف إلى إفراغ النص القانوني الدولي من محتواه، وترسيخ واقع قائم على سيادة شريعة الغاب وقوة السلاح على حساب الحق والعدالة.

 صمت العالم.. وضرورة التحرك الأخلاقي والدولي:
وأمام هذه الجرائم المتكررة والموثقة سنوياً، يقف المجتمع الدولي بمؤسساته الحقوقية والإنمائية موقف المنظّر والعاجز، مستعيضاً عن اتخاذ إجراءات رادعة ببيانات القلق والاستنكار "الباهتة"، التي لا تحرك ساكنا،ولا تسمن ولا تغني من جوع، وكأن حقوق المزارع الفلسطيني وأمنه الغذائي وحقه في الحماية يقعون خارج نطاق المواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان!

ومضة أمل:
إن الخروج من هذه حالة الصمت المريب يتطلب تحركاً جاداً وعاجلاً يرتكز على المحاور التالية:
توفير حماية دولية ميدانية عاجلة: للمزارعين الفلسطينيين وللأراضي الزراعية خلال مواسم الحصاد، عبر بعثات مراقبة أممية تشهد وتمنع التعديات.
توثيق جرائم الاستيطان البيئي: وملاحقة قادة المستوطنين والمحرضين أمام المحاكم الدولية باعتبار هذه الأفعال جرائم حرب موجهة ضد الملكيات الخاصة والتراث الإنساني والبيئة.
ـدعم وتعزيز شبكات الإسناد الشعبية والعربية: لدعم ثبات الفلاح الفلسطيني، وتأسيس صناديق عربية وإسلامية لتعويض خسائر المزارعين وتوفير المعدات الحديثة للحد من آثار القرصنة.
ومهما تمادت يد النهب واشتدت غطرسة القوة، ومهما سرقوا من ثمار واحرقوا من أغصان زاهية، فستظل جذور الزيتون الضاربة في القاع أعمق بكثير من أدوات بطشهم وأوهام بقائهم.  
وستظل الأرض تتحدث بلغتها الكنعانية الأصيلة، مجددة العهد مع كل قطرة زيت تسقط على التراب. 
إنهم يسرقون الثمار نعم.. لكنهم أبداً لن يستطيعوا سرقة الجذور، ولن يفلحوا في قلع اليقين الممتد في قلب كل فلسطيني بأن صاحب الأرض هو الباقي، وأن الغريب المتطفل على تاريخها إلى زوال.. 
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} صدق الله العظيم.